محمد بن زكريا الرازي

13

الحاوي في الطب

يقول فاضل أحمد الطائي في كتابه ( أعلام العرب في الكيمياء ) : « غير أن المتوغل في العلم لا سيما العلوم الطبيعية يجد أن العقل البشري يقصر عن أمور كثيرة في الكون وأن ما يتمكن من فهمه وتفسيره لا يزيد على ذرة صغيرة من ذرات الكون الشاسع ، وبهذه المناسبة أقول : القليل من العلم يبعدك عن اللّه والكثير منه يقربك إليه . ولا أحسب الرازي كان ذا علم قليل فقد ألّف كتبا في صفات الخالق الجليل وآمن باللّه وكتبه إيمانا راسخا ومن كتب الرازي ( كتاب في أن للعالم خالقا حكيما ) و ( كتاب أن للإنسان خالقا متقنا حكيما ) ، وتدل المصادر على أن في عهد الرازي وقبيله ظهرت فرق عديدة واختلفت بعضها عن البعض الآخر في القشور على الأغلب ، ومنها من اختلفت في الجوهر ، ولا بد لرجل كالرازي تأثر بالمنطق والفلسفة اليونانية أن يكون له رأيه فيما ذهبت إليه بعض الفرق مما أغاظها وألّبها عليه فاتهمته بالتطرف » . * * * للرّازي أخبار كثيرة وفوائد متفرّقة فيما حصل له من التمهر في صناعة الطب ، وفيما تفرّد به في مداواة المرضى ، وفي الاستدلال على أحوالهم من تقدمة المعرفة ، وفيما خبره من الصفات والأدوية الّتي لم يصل إلى علمها كثير من الأطباء . وله في ذلك حكايات كثيرة وقعت له قد تضمنّها كثير من كتبه ، وقد ذكر من ذلك جملا في باب مفرد من كتابه « الحاوي » وفي كتابه في « سر الطب » . وهو أول من استخدم ( فتيلة الجرح ) ، ومصارين الحيوانات لخياطة الجروح ، وأول من استخدم الرصاص الأبيض في المراهم ، وأدخل الزئبق في المسهل . وكان للبيمارستان ( المستشفى ) أثر كبير في حياة الرازي التجريبية ، وقد استعان الرازي بمركزه رئيسا لبيمارستان بغداد ، فحصل على ملاحظات تجريبية وجرب بنفسه تطور المرض وصار أعظم أطباء الطب السريري الذي لم يكن معروفا من قبل والذي بدا واضحا في كتابه « الحاوي » . لقد استطاع الرازي بذكائه أن يصهر معارف الإغريق مع التجارب الشرقية مكونا من ذلك مادة جديدة مخالفة ، تدل على استقلال في الشخصية . ومن أعظم مظاهر الابتكار لدى الرازي كتابه « الحاوي » الذي نقدمه ، والذي هو آية في الدقة والملاحظة لما فيه من التجارب وتفصيل لأنواع الأمراض والأدوية . ويتميز الرازي على غيره من أطباء عصره بأنه اهتم بالنواحي النفسية عند المريض وعرف أن هناك علاقة قوية بين طبيب الجسم وطبيب الروح . ويقول ابن أبي أصيبعة في كتابه ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء ) : « إن الرازي يقول ينبغي للطبيب أن يوهم المريض أبدا بالصحة ويرجيه بها ، وإن كان غير واثق بذلك فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس » .